فصل: استيلاء نور الدين على تل باشر وحصاره قلعة حارم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


 حصار زنكي حصن جعبر وفنك

ثم سار الأتابك زنكي سنة إحدى وأربعين في المحرم إلى حصن جعبر ويسمى دوس وهو مطل على الفرات وكان لسالم بن مالك العقيلي أقطعه السلطان ملك شاه لأبيه حين أخذ منه حلب وبعث جيشاً إلى قلعة فنك على فرسخين من جزيرة ابن عمر فحاصروها وصاحبها يومئذ حسام الدين الكردي فحاصر قلعة جعبر حتى توسط الحال بينهما حسان المنبجي ورغبه ورهبه‏.‏ وقال في كلامه من يمنعك منه فقال الذي منعك أنت من مالك بن بهرام وقد حاصر حسان منبج فأصاحبه في بعض الأيام سهم فقتله وأفرج عن حسان وقدر قتل الأتابك كذلك والله تعالى أعلم‏.‏

 مقتل الأتابك عماد الدين زنكي

كان الأتابك عماد الدين زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل‏.‏ والشام محاصراً لقلعة جعبر كما ذكرنا واجتمع جماعة من مواليه واغتالوه ليلاً وقتلوه على فراشه ولحقوا بجعبر وأخبروا أهلها فنادوا من السور بقتله‏.‏ فدخل أصحابه إليه وألفوه يجود بنفسه‏.‏ وكان لخمس من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين عن ستين سنة من عمره ودفن بالرقة وكان يوم قتل أبوه ابن سبع سنين‏.‏ ولما قتل دفن بالرقة وكان حسن السياسة كثير العدل مهيباً عند جنده‏.‏ عمر البلاد وأمنها وأنصف المظلوم من الظالم‏.‏ وكان شجاعاً شديد الغيرة كثير الجهاد‏.‏ ولما قتل رحل العسكر عن قلعة فنك وصاحبها غفار‏.‏ قال ابن الأثير سمعتهم يزعمون أن لهم فيها نحو ثلاثمائة سنة وفيهم رفادة وعصبية ويجيرون كل من يلجأ إليهم والله أعلم‏.‏

  استيلاء ابنه غازي على الموصل وابنه الآخر محمود على حلب

ولما قتل الأتابك زنكي نزع ابنه نور الدين محمود خاتمه من يده وسار به إلى حلب فاستولى عليها‏.‏ وخرج الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود واجتمعت عليه العساكر وطمع في الاستقلال بملك الموصل‏.‏ وحضر ابنه جمال الدين محمد بن علي بن متولي الديوان وصلاح الدين بن محمد الباغيسياني الحاجب وقد اتفقا فيما بينهما على حفظ الدولة لأصحابهما وحسناً لألب أرسلان ما هو فيه من الاشتغال بلذاته وأدخلاه الرقة فانغمس بها‏.‏ وهما يأخذان العهود على الأمراء لسيف الدين غازي ويبعثانهم إلى الموصل‏.‏ وكان سيف الدين غازي في مدينة شهرزور وهي أقطاعه وبعث إليه زين الدين علي كوجك نائب القلعة بالموصل يستدعيه ليحضر عنده‏.‏ وسار ألب أرسلان إلى سنجار والحاجب وصاحبه معه ودسوا إلى نائبها بأن يعتذر للملك ألب أرسلان بتأخره حتى يملك الموصل فساروا إلى الموصل ومروا بمدينة سنجار وقد وقف العسكر فأشاروا على ألب أرسلان بعبور دجلة إلى الشرق وبعثوا إلى سيف الدين غازي بخبره وقلة عسكره فأرسل إليه عسكراً فقبضوه وجاؤوا به فحبسه بقلعة الموصل‏.‏ واستولى سيف بن غازي على الموصل والجزيرة وأخوه نور الدين محمود على حلب ولحق به صلاح الدين الباغيسياني فقام بدولته والله سبحانه وتعالى يومئذ بنصره من يشاء من عباده‏.‏ عصيان الرها ولما قتل الأتابك زنكي ملك الرها جوسكين كان جوسكين مقيماً في ولايته بتل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وعامتهم من الأرمن وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد له فأجابوه وواعدوه ليوم عينوه فسار في عساكره وهلك البلد وامتنعت القلعة‏.‏ وبلغ الخبر إلى نور الدين محمود وهو بحلب فأغذ السير إليها وأجفل جوسكين إلى بلده‏.‏ ونهب نور الدين المدينة وسبى أهلها وارتحلوا عنها وبعث سيف الدين غازي العساكر إليها فبلغهم في طريقهم ما فعله نور الدين فعادوا وذلك سنة إحدى وأربعين‏.‏ ثم قصد صاحب دمشق بعد قتل الأتابك حصن بعلبك وبه نجم الدين أيوب بن شادي نائب الأتابك فأبطأ عليه انجاد بنيه فصاحب دمشق وسلم له بعلبك على إقطاع ومال أعطاه إياه وعشر قرى من بلاد دمشق وانتقل معه إلى دمشق فسكنها وأقام بها ثم سار نور الدين محمود سنة اثنتين وأربعين من حلب إلى الإفرنج ففتح مدينة أرتاج عنوة وحاصر حصوناً أخرى‏.‏ وكان الإفرنج بعد قتل الأتابك يظنون أنهم يستردون ما أخذه منهم فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون ولما قتل الأتابك زنكي طمع صاحب ماردين وصاحب كيفا أن يستردوا ما أخذ من بلادهم فلما تمكن سيف الدين غازي سار إلى أعمال ديار بكر فملك داراً وغيرها وتقدم إلى ماردين وحاصرها وعاث في نواحيها حتى ترحم صاحبها حسام الدين تمرتاش على الأتابك مع عداوته‏.‏ ثم أرسل إلى سيف الدين غازي وصالحه وزوجه بنته فعاد إلى الموصل وزفت إليه وهو مريض فهلك قبل زفافها وتزوجها أخوه قطب الدين من بعده والله أعلم‏.‏

 مصاهرة سيف الدين غازي لصاحب دمشق وهزيمة نور الدين محمود للإفرنج

كان تقدم لنا في دولة بني طغركين موالي دقاق بن تتش أن ملك اللمان من الإفرنج سار سنة ثلاث وأربعين وحاصر دمشق بجموع الإفرنج وبها مجير الدين أرتق بن بوري بن محمد بن طغركين في كفالة معين الدين أنزمولي‏.‏ فبعث معين الدين إلى سيف الدين غازي بن أتابك زنكي بالموصل يدعوه إلى نصرة المسلمين فجمع عساكره وسار إلى الشام واستدعى أخاه نور الدين من حلب ونزلوا على حمص فأخذوا بحجز الإفرنج عن الحصار وقوي المسلمون بدمشق عليهم‏.‏ وبعث معين الدين إلى طائفتي الإفرنج من سكان الشام واللمان الواردين فلم يزل يضرب بينهم‏.‏ وجعل لإفرنج الشام حصن بانياس طعمة على أن يرحلوا بملك اللمانيين فقتلوا له في الذروة والغارب حتى رحل عن دمشق ورجع إلى بلاده وراء قسطنطينية بالشمال‏.‏ وحسن أمر سيف الدين غازي وأخيه في الدفاع عن المسلمين وكان مع ملك اللمان حين خرج إلى الشام ابن ادفونش ملك الجلالقة بالأندلس وكان جده هو الذي ملك طرابلس الشام من المسلمين حين خروج الإفرنج إلى الشام فلما جاء الآن مع ملك لممان ملك حصن العريمة وأخذ في منازلة طرابلس ليملكها من القمص فأرسل القمص إلى نور الدين محمود ومعين الدين أنزوهما مجتمعان ببعلبك بعد رحيل ملك اللمانيين عن دمشق وأغراهما بابن ادفونش ملك الجلالقة واستخلاص حصن العريمة من يده فسارا لذلك سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة‏.‏ وبعث إلى سيف الدين وهو بحمص فأمدهما بعسكر من الأمير عز الدين أبي بكر الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر وحاصروا حصن العريمة أياماً ثم نقضوا سوره وملكوه على الإفرنج وأسروا من كان به من الإفرنج ومعهم ابن ادفونش وعاد إلى سيف الدين عسكره‏.‏ ثم بلغ نور الدين أن الإفرنج تجمعوا في بيقو من أرض الشام للإغارة على أعمال حلب فسار إليهم وقتلهم وهزمهم وأثخن فيهم قتلاً وأسراً وبعث من غنائمهم وأسراهم إلى أخيه سيف الدين غازي وإلى المقتفي الخليفة انتهى‏.‏ والله بحانه وتعالى أعلم‏.‏

 وفاة سيف الدين غازي وملك أخيه قطب الدين مودود

ثم توفي سيف الدين غازي بن الأتابك زنكي صاحب الموصل منتصف أربع وأربعين وخمسمائة لثلاث سنين وشهرين من ولايته وخلف ولداً صغيراً ربي عند عمه نور الدين محمود‏.‏ وهلك صغيراً فانقرض عقبه‏.‏ وكان كريماً شجاعاً متسع المائدة يطعم بكرة وعشية مائة رأس من الغنم في كل نوبة وهو أول من حمل الصنجق على رأسه وأمر بتعليق السيوف بالمناطق وترك التوشح بها وحمل الدبوس في حلقة السرج‏.‏ وبنى المدارس للفقهاء والربط للفقراء‏.‏ ولما أنشده حيص بيص الشاعر يمدحه إلام يراك المجد في زي شاعر وقد نحلت شوقاً إليك المنابر فوصله بألف مثقال سوى الخلع وغيرها‏.‏ ولما توفي سيف الدين غازي انتقض الوزير جمال الدين وأمير الجيوش زين الدين علي وجاؤوا بقطب الدين مودود بادروا إلى تمليكه واستخلفوه وحلفوا له‏.‏ وركب إلى دار السلطنة وزين الدين في ركابه فبايعوا له وأطاعه جميع من في أعمال أخيه بالموصل والجزيرة‏.‏ وتزوج الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين التي هلك أخوه قبل زفافها فكان ولده كلهم منها والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

  استيلاء السلطان محمود على سنجار

ولما ملك قطب الدين مودود الموصل وكان أخوه نور الدين محمود بالشام وكان أكبر منه وله حلب وحماة كاتبه جماعة من الأمراء بعد أخيه غازي‏.‏ وفيمن كاتبه نائب سنجار المقدم عبد الملك فبادر إليه في سبعين فارساً من أمرائه وسبق أصحابه في يوم مطير إلى مساكن‏.‏ ودخل البلد ولم يعرفوا منه إلا أنه أمير من جند التركمان‏.‏ ثم دخل على الشحنة بيته فقبل يده وأطاعه ولحق به أصحابه وساروا جميعاً إلى سنجار وأغذ السير فقطع عنه أصحابه ووصل إلى سنجار في فارسين ونزل بظاهر البلد‏.‏ وبعث إلى المقدم فوصله وكان قد سار إلى الموصل‏.‏ وترك ابنه شمس الدين محمداً بالقلعة فبعث في أثر أبيه وعاد من طريقه وسلم سنجار إلى نور الدين محمود فملكها‏.‏ واستدعى فخر الدين قرى أرسلان صاحب كيفا لمودة بينهما فوصل في عساكره وبلغ الخبر إلى قطب الدين صاحب الموصل ووزيره جمال الدين وأمير جيشه زين الدين فساروا إلى سنجار للقاء نور الدين محمود وانتهوا إلى تل أعفر ثم خاموا عن لقائه‏.‏ وأشار الوزير جمال الدين بمصالحته وسار إليه بنفسه فعقد معه الصلح وأعاد سنجر على أخيه قطب الدين‏.‏ وسلم له أخوه مدينة حمص والرحبة والشام فانفرد بملك الشام وانفرد أخوه قطب الدين بالجزيرة واتفقا‏.‏ وعاد نور الدين إلى حلب وحمل ما كان لأبيهم الأتابك زنكي من الذخيرة لسنجار وكان لا يعبر عنها والله تعالى أعلم‏.‏ غزو نور الدين إلى إنطاكية وقتل صاحبها وفتح أفاميا ثم غزا نور الدين سنة أربع وأربعين إلى إنطاكية فعاث فيها وخرب كثيراً من حصونها وبينما هو يحاصر بعض الحصون اجتمع الإفرنج وزحفوا إليه فلقيهم وحاربهم وأبلى في ذلك الموقف فهزم الإفرنج وقتل البرنس صاحب إنطاكية وكان من عتاة الإفرنج‏.‏ وملك بعده ابنه سمند طفلاً وتزوجت أمه برنس آخر يكفل ولدها ويدبر ملكها فغزاه نور الدين ولقوه فهزمهم وأسر ذلك البرنس الثاني‏.‏ وتمكن الطفل سمند من ملكه بإنطاكية‏.‏ ثم سار نور الدين سنة خمس وأربعين إلى حصن أفاميا بين شيزر وحماة وهو من أحسن القلاع فحاصره وملكه وشحنه حامية وسلاحاً وأقواتاً‏.‏ ولم يفرغ من أمره إلا والإفرنج الذين بالشام جمعوا وزحفوا إليه‏.‏ وبلغهم الخبر فخاموا عن اللقاء وصالحوه في المهادنة فعقد لهم انتهى‏.‏ ثم جمح نور الدين بعد ذلك وسار غازياً إلى بلاد زعيم الإفرنج وهي تل باشر وعنتاب وعذار وغيرها من حصون شمالي حلب فجمع جوسكين لمدافعته عنها ولقيه فاقتتلوا ومحص الله المسلمين واستشهد كثير منهم وأسر آخرون وفيهم صاحب صلاح نور الدين فبعثه جوسكين إلى الملك مسعود بن قليج أرسلان يعيره به لمكان صهره نور الدين على ابنته فعظم ذلك عليه وأعمل الحيلة في جوسكين‏.‏ وبذل المال لإحياء التركمان البادين بضواحيه أن يحتالوا في القبض عليه ففعلوا وظفر به بعضهم فشاركهم في إطلاقه على مال وبعث من يأتي به‏.‏ وشعر بذلك والي حلب أبو بكر بن الرامة فبعث عسكراً ليسوا من ذلك الحي جاؤوا بجوسكين أسيراً إلى حلب وسار نور الدين إلى القلاع فملكها وهي تل باشر وعنتاب وعذار وتل خالد وقورص وداوندار ومرج الرصاص وحصن النادة وكفرشود وكفرلات ودلوكا ومرعش ونهر الجود وشحنها بالأقوات‏.‏ وزحف إليه الإفرنج ليدافعوه فلقيهم على حصن جلدك‏.‏ وانهزم الإفرنج و أثخن المسلمون فيهم بالقتل والأسر ورجع نور الدين إلى دلوكا ففتحها وتأخر فتح تل باشر منها إلى أن ملك نور الدين دمشق واستأمنوا إليه وبعث إليهم حسان المنبجي فتسلمها منهم وحصنها وذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

  استيلاء نور الدين على دمشق

كان الإفرنج سنة ثمان وأربعين قد ملكوا عسقلان من يد العلوية خلفاء مصر واعترضت دمشق بين نور الدين وبينهما فلم يجد سبيلاً إلى المدافعة عنها واستطال الإفرنج على دمشق بعد ملكهم عسقلان ووضعوا عليها الجزية واشترطوا عليهم تخيير الأسرى الذين بأيديهم في الرجوع إلى وطنهم وكان بها يومئذ مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغركين الأتابك واهن القوى مستضعف القوة‏.‏ فخشي نور الدين عليها من الإفرنج وربما ضايق مجير الدين بعض الملوك من جيرانه فيفزع إلى الإفرنج فيغلبون عليه‏.‏ وأمعن النظر في ذلك وبدأ أمره بمواصلة مجير الدين وملاطفته حتى استحكمت المودة بينهما حتى صار يداخله في أهل دولته ويرميهم عنده أنهم كاتبوه فيوقع الآخر بهم حتى هدم أركان دولته ولم يبق من أمرائه إلا الخادم عطاء بن حفاظ وكان هو القائم بدولته فغص به نور الدين وحال بينه وبين دمشق فأغرى به صاحبه مجير الدين حتى نكبه وقتله‏.‏ وخلت دمشق من الحامية فسار حينئذ نور الدين مجاهراً بعداوة مجير الدولة ومتجنياً عليه‏.‏ واستنجد بالإفرنج على أن يعطيهم الأموال ويسلم لهم بعلبك فجمعوا واحتشدوا‏.‏ وفي خلال ذلك عمد نور الدين إلى دمشق سنة سبع وأربعين وكاتب جماعة من أحداثها ووعدهم من أنفسهم فلما وصل ثاروا بمجير الدين ولجأ إلى القلعة‏.‏ وملك نور الدين المدينة وحاصره بالقلعة وبذل له إقطاعاً منها مدينة حمص‏.‏ فسار إليها مجير الدين وملك نور الدين القلعة‏.‏ ثم عوضه عن حمص ببالس فلم يرضها ولحق ببغداد وابتنى بها داراً وأقام بها إلى أن توفي والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

  استيلاء نور الدين على تل باشر وحصاره قلعة حارم

ولما فرغ نور الدين من أمر دمشق بعث إليه الإفرنج الذين في تل باشر في شمالي حلب واستأمنوا إليه ومكنوه من حصنهم فتسلمه حسان المنبجي من كبراء أمراء نور الدين سنة تسع وأربعين‏.‏ ثم سار سنة إحدى وخمسين إلى قلعة بهرام بالقرب من إنطاكية وهي لسمند أمير إنطاكية من الإفرنج فحاصرها واجتمع الإفرنج لمدافعته ثم خاموا عن لقائه وصالحوه على نصف أعمال حارم فقبل صلحهم ورحل عنها والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه‏.‏

  استيلاء نور الدين على شيزر

شيزر هذه حصن قريب من حماة على نصف مرحلة منها على جبل منيع عال لا يسلك إليه إلا من طريق واحدة وكانت لبني منقذ الكنانيين يتوارثون ذلك من أيام صالح بن مرداس صاحب حلب من أعوام عشرين وأربعمائة إلى أن انتهى ملكه إلى المرهف نصر بن علي بن نصير بن منقذ بعد أبيه أبي الحسن علي‏.‏ فلما حضره الموت سنة تسعين وأربعمائة عهد لأخيه أبي سلمة بن مرشد وكان عالماً بالقراءات والأدب وولى مرشداً أخاه الأصغر سلطان بن علي وكان بينهما من الاتفاق والملاءمة ما لم يكن بين اثنين‏.‏ ونشأ لمرشد بنون كثيرون وفي السؤدد منهم عز الدولة أبو الحسن علي ومؤيد الدولة أسامة وولده علي وتعدد ولده ونافسوا بني عمهم وفشت بينهم السعايات فتماسكوا لمكان مرشد والتئامه بأخيه‏.‏ فلما مات مرشد سنة إحدى وثلاتين وخمسمائة تنكر أخوه سلطان لولده وأخرجهم من شيزر فتفرقوا وقصد بعضهم نور الدين فامتعض لهم وكان مشتغلاً عنهم بالإفرنج‏.‏ ثم توفي سلطان وقام بأمر شيزر أولاده وراسلوا الإفرنج فحنق نور الدين عليهم لذلك‏.‏ ثم وقعت الزلازل بالشام وخرب أكثر مدنه مثل حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وحصن الأكراد وعرقة ولاذقية وطرابلس وإنطاكية‏.‏ هذه سقطت جميعها وتهدمت سنة اثنتين وخمسين وما سقط بعضه وتهدمت أسواره فأكثر بلاد الشام‏.‏ وخشي فور الدين عليها من الإفرنج فوقف بعساكره في أطراف البلاد حتى رم ما تثلم من أسوارها‏.‏ وكان بنو منقذ أمراء شيزر قد اجتمعوا عند صاحبها منهم في دعوة فأصاحبتهم الزلزلة مجتمعين فسقطت عليهم القلعة ولم ينج منهم أحد‏.‏ وكان بالقرب منها بعض أمراء نور الدين فبادر وصعد إليها وملكها منه نور الدين ورم ما تثلم من أسوارها وجدد بناءها فعادت كما وقال ابن خلكان وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة استولى بنو منقذ على شيزر من يد الروم والذي تولى فتحها منهم علي بن منقذ بن نصر بن سعد وكتب إلى بغداد بشرح الحال ما نصه كتابي في حصن شيزر حماه الله وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق في هذا الزمان‏.‏ وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هزبر هذه الأمة وسليمان الجن والمردة وأنا أفرق بين المرء وزوجه واستنزل القمر من محله‏.‏ أنا أبو النجم وشعري شعري نظرت إلى هذا الحصن فرأيت أمراً يذهل الألباب يسع ثلاثة آلاف رجل بالأهل والمال وتمسكه خمس نسوة فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالحواص ويسمى هذا التل بالحصن فعمرته حصناً وجمعت فيه أهلي وعشيرتي ونفرت نفرة على حصن الحواص فأخذته بالسيف من الروم ومع ذلك فلما أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بصوت الأذان‏.‏ ورأى أهل شيزر فعلي ذلك فأنسوا بي ووصل إلي منهم قريب من نصفهم فبالغت في إكرامهم‏.‏ ووصل إليهم مسلم بن قريش العقيلي فقتل من أهل شيزر نحو عشرين رجلاً‏.‏ فلما انصرف مسلم عنهم سلموا إلي الحصن‏.‏ انتهى كتاب علي بن منقذ‏.‏ وبين هذا الذي ذكره ابن خلكان والذي ذكره ابن الأثير نحو خمسين سنة‏.‏ وما ذكره ابن الأثير أولي لأن الإفرنج لم يملكوا من الشام شيء في أوائل المائة الخامسة والله

  استيلاء نور الدين على بعلبك

كانت بعلبك في يد الضحاك البقاعي نسبة إلى بقاعة والآن عليها صاحب دمشق‏.‏ فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك ببعلبك وشغل نور الدين عنه بالإفرنج‏.‏ فلما كانت سنة اثنتين وخمسين استنزله نور الدين عنها وملكها والله أعلم‏.‏

  استيلاء أخي نور الدين على حران ثم ارتجاعها

كان نور الدين سنة أربع وخمسين وخمسمائة بحلب ومعه أخوه الأصغر أمير أميران فمرض نور الدين بالقلعة واشتد مرضه فجمع أخوه وحاصر قلعة حلب‏.‏ وكان شيركوه ابن شادي أكبر أمرائه بحمص فلما بلغه الأزحاف سار إلى دمشق ليملكها وعليها أخوه نجم الدين أيوب فنكر عليه وأمره بالمسير إلى حلب حتى يتبين حياة نور الدين من موته‏.‏ فأغذ السير إلى حلب وصعد القلعة وأظهر نور الدين للناس من سطح مشرف فافترقوا عن أخيه أمير أميران‏.‏ فسار إلى حران فملكها‏.‏ فلما أفاق نور الدين سلمها إلى زين الدين علي كجك نائب أخيه قطب الدين بالموصل وسار إلى الرقة فحاصرها والله تعالى ولي التوفيق‏.‏

 خبر سليمان شاه وحبسه بالموصل

ثم مسيره منها إلى السلطنة بهمذان كان الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر بخراسان وقد عهد له بملكه وخطب باسمه على منابر خراسان‏.‏ فلما حصل سنجر في أسر العدو سنة ثمان وأربعين وخمسمائة كما مر في أخبار دولتهم واجتمعت العساكر على سليمان شاه هذا وقدموه فلم يطق مقاومة العدو فمضى إلى خوارزم شاه وزوجه ابنة أخيه‏.‏ ثم بلغه عنه ما ارتاب له فأخرجه من خوارزم وقصد أصفهان فمنعه الشحنة من الدخول فقصد قاشان فبعث إليه محمد شاه ابن أخيه محمود عسكراً دافعوه عنها فسار إلى خراسان فمنعه ملك شاه منها فقصد النجف ونزل وأرسل للخليفة المستنصر وبعث أهله وولده رهناً بالطاعة واستأذن في دخول بغداد فأكرمهم الخليفة وأذن له وخرج ابن الوزير ابن هبيرة لتلقيه في الموكب وفيه قاضي القضاة‏.‏ والتقيا ودخل بغداد وخلع عليه آخر سنة خمسيبن‏.‏ وبعد أيام أحضر بالقصر واستخلف بحضرة قاضي القضاة والأعيان وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه‏.‏ وأمر بثلاثة آلاف فارس وسار نحو بلاد الجبل في ربيع سنة إحدى وخمسين‏.‏ ونزل الخليفة حلوان واستنفر له ابن أخيه ملك شاه صاحب همذان فقدم إليه في ألفي فارس وجعله سليمان شاه ولي عهده وأمدهما الخليفة بالمال والسلاح ولحق بهما ايلدكز صاحب الري فكثرت جموعهم‏.‏ وبعث السلطان محمد إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل وزين الدين علي كجك نائبه في المظاهرة والإنجاد وسار إلى لقاء سليمان شاه فانهزم وتمزق عسكره‏.‏ وفارقه ايلدكز فذهب إلى بغداد على طريق شهرزور‏.‏ وبلغ خبر الهزيمة إلى زين الدين علي كجك فخرج في جماعة من عسكر الموصل وقعد له بشهرزور ومعه الأمير إيراق حتى مر بهم سليمان شاه فقبض عليه زين الدين وحمله إلى الموصل فحبسه بها مكرماً وطير إلى السلطان محمود بالخبر‏.‏ فلما هلك السلطان محمود بن محمد سنة خمس وخمسين أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى قطب الدين أتابك يطلبون تولية الملك سليمان شاه ويكون جمال الدين وزير قطب الدين وزيراً له وتعاهدوا على ذلك‏.‏ وجهزه قطب الدين جهاز الملك وسار معه زين الدين علي كجك في عسكر الموصل إلى همذان‏.‏ فلما قاربوا بلاد الجبل تتابعت العساكر والأمداد للقائهم ارسالاً واجتمعوا على سليمان شاه وجروا معه على مذاهب الدولة فخشيهم زين الدين على نفسه وفارقهم إلى الموصل‏.‏ وسار سليمان شاه إلى همذان فكان من أمرهم ما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية‏.‏ حصار قلعة حارم وانهزام نور الدين أمام الإفرنج ثم هزيمتهم وفتحها ثم جمع نور الدين محمود عساكر حلب وحاصر الإفرنج بقلعة حارم وجمعوا لمدافعته ثم خاموا عن لقائه ولم يناجزوه وطال عليه أمرها فعاد عنها‏.‏ ثم جمع عساكره وسار سنة ثمان وخمسين معتزماً على غزو طرابلس وانتهى إلى البقيعة تحت حصن الأكراد فكبسهم الإفرنج هنالك وأثخنوا فيهم‏.‏ ونجا نور الدين في الفل إلى بحيرة قطينة قريباً من حمص ولحق به المنهزمون‏.‏ وبعث إلى دمشق وحلب في الأموال والخيام والظهر وأزاح علل العسكر‏.‏ وعلم الإفرنج بمكان نور الدين من حمص فنكبوا عن قصدها‏.‏ وسألوه الصلح فامتنع فأنزلوا حاميتهم بحصن الأكراد ورجعوا‏.‏ وفي هذه الغزاة عزل نور الدين رجلاً يعرف بابن نصري تنصح له بكثرة خرجه بصلاته وصدقاته على الفقراء والفقهاء والصوفية والقراء إلى مصارف الجهاد فغضب وقال والله لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنهم يقاتلون عني بسهام الدعاء في الليل‏.‏ وكيف أصرفها عنهم وهي من حقوقهم في بيت المال ذلك شيء لا يحل لي‏.‏ ثم أخذ في الاستعداد للأخذ بثأره من الإفرنج وسار بعضهم إلى ملك مصر فأراد أن يخالفهم إلى بلادهم فبعث إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وإلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب كيفا وإلى نجم الدين ولي صاحب ماردين بالنجدة فسار من بينهم أخوه قطب الدين‏.‏ وفي مقدمته زين الدين علي كجك صاحب جيشه ثم تبعه صاحب كيفا‏.‏ وبعث نجم الدين عسكره فلما توافت الأمداد سار نور الدين نحو حارم سنة تسع وخمسين فحاصرها ونصب عليها المجانيق واجتمع من بقي بالساحل من ملوك الإفرنج ومقدمهم البرنس سمند صاحب إنطاكية والقمص صاحب طرابلس وابن جوسكين واستنفر لهم أمم النصرانية وقصدوه فأفرج عن حارم إلى ارتاج‏.‏ ثم خاموا عن لقائه وعادوا إلى حصن حارم وسار في اتباعهم وناوشهم الحرب فحملوا على عساكر حلب وصاحب كيفا في ميمنة المسلمين فهزموها ومروا في اتباعهم‏.‏ وحمل زين الدين في عساكر الموصل على الصف فلقيه الرجل فأثخن فيهم واستلحمهم وعاد الإفرنج من اتباع الميمنة فسقط في أيديهم‏.‏ ودارت رحا الحرب على الإفرنج فانهزموا ورجع المسلمون من القتل إلى الأسر فأسروا منهم أمماً فيهم سمند صاحب إنطاكية والقص صاحب طرابلس‏.‏ وبعث السرايا في تلك الأعمال بقصد إنطاكية لخلوها من الحامية فأبى وقال أخشى أن يسلمها أصحابها لملك الروم فإن سمند ابن أخته ومجاورته أحق إلي من مجاورة ملك الروم‏.‏ ثم عاج على قلعة حارم فحاصرها وافتتحها ورجع مظفراً والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده‏.‏

 فتح نور الدين قلعة بانياس

ولما افتتح نور الدين قلعة حارم أذن لعسكر الموصل وحصن كيفا بالانطلاق إلى بلادهم وعزم على منازلة بانياس وكانت بيد الإفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة‏.‏ ثم ورى عنها بقصد طبرية فصرف الإفرنج همتهم إلى حمايتها وخالف هو إلى بانياس لقفة حاميتها فحاصرها وضيق عليها في ذي الحجة من سنة تسع وخمسين‏.‏ وكان معه أخوه نصير الدين أمير أميران فاصيب بسهم في إحدى عينيه وأخذ الإفرنج في الجمع لمدافعته فلم يستكملوا أمرهم حتى فتحها وشحن قلعتها بالمقاتلة والسلاح‏.‏ وخافه الإفرنج فشاطروه في أعمال طبرية وضرب عليهم الجزية في الباقي ووصل الخبر بفتح حارم وبانياس إلى ملوكهم الذين ساروا إلى مصر فسبقهم بالفتح وعاد إلى دمشق‏.‏ ثم سار سنة إحدى وستين متجرداً إلى حصن المنيطرة فنازلهم على غرة وملكه عنوة ولم يجتمع الإفرنج إلا وقد ملكه فافترقوا ويئسوا من ارتجاعه والله تعالى أعلم‏.‏

 وفادة شاور وزير العاضد بمصر علي نور الدين العادل صريخاً

وإنجاده بالعسكر مع أسد الدين شيركوه كانت دولة العلويين بمصر قد أخذت في التلاشي وصارت إلى استبداد وزرائها على خلفائها وكان من آخر المسلمين بها شاور السعدي استعمله الصالح بن زربك على قوص وندم‏.‏ فلما هلك الصالح بن رزيك وكان مستبداً على الدولة قام ابنه رزيك مقامه فعزل شاور عن قوص فلم يرض بعزله‏.‏ وجمع وزحف إلى القاهرة فملكها وقتل رزيك واستبد على العاضد ولقبه أمير الجيوش‏.‏ وكانت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ثم نازعه الضرغام وكان صاحب الباب ومقدم البرقية فثار عليه لسبعة أشهر من وزارته وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام وقصد نور الدين محمود بن زنكي مستنجداً به على أن يكون له ثلث الجباية بمصر‏.‏ ويقيم عسكر نور الدين بها مدداً له فاختار من أمرائه لذلك أسد الدين شيركوه بن شادي الكردي وكان بحمص وجهزه بالعساكر فسار لذلك في جمادى سنة تسع وخمسين واتبعه نور الدين إلى أطراف بلاد الإفرنج فشغلهم عن التعرض للعساكر‏.‏ وسار أسد الدين مع شاور وسار معه صلاح الدين ابن أخيه نجم الدين أيوب وانتهوا إلى بلبيس فلقيهم ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فانهزم ورجع إلى القاهرة‏.‏ واتبعه أسد الدين فقتله عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها‏.‏ وقتل أخوه وعاد شاور إلى وزارته‏.‏ وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة ينتظر الوفاء بالعهد من شاور بما عاهد عليه نور الدين فنكث شاور العهد وبعث إليه بالرجوع إلى بلده فلج في طلب ضريبته ورحل إلى بلبيس والبلاد الشرقية فاستولى عليها‏.‏ واستمد شاور عليه بالإفرنج فبادروا إلى ذلك لما كان في نفوسهم من تخوف غائلته وطمعوا في ملك مصر‏.‏ وسار نور الدين من دمشق ليأخذ بحجزتهم عن المسير فلم يثنهم ذلك وتركوا ببلادهم حامية فلما قاربوا مصر فارقها أسد الدين واجتمع الإفرنج وعساكر مصر فحاصروه ثلاثة أشهر يغاديهم القتال ويراوحهم‏.‏ وجاءهم الخبر بهزيمة الإفرنج على حارم وما هيأ الله لنور الدين في ذلك فراسلوا أسد الدين شيركوه في الصلح وطووا عنه الخبر فصالحهم وخرج ولحق بالشام‏.‏ ووضع له الإفرنج المراصد بالطريق فعدل عنها‏.‏ ثم أعاده نور الدين إلى مصر سنة اثنتين وستين فسار بالعساكر في ربيع ونزل اطفيح وعبر النيل‏.‏ وجاء إلى القاهرة من جانبها الغربي ونزل الجيزة في عدوة النيل وحاصرها خمسين يوماً‏.‏ واستمد شاور بالإفرنج وعبر إلى أسد الدين فتأخر إلى الصعيد ولقيهم منتصف السنة فهزمهم‏.‏ وسار إلى ثغر الإسكندرية فملكها وولى عليها صلاح الدين ابن أخيه ورجع فدوخ بلاد الصعيد‏.‏ وسارت عساكر مصر والإفرنج إلى الإسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار إليه أسد الدين فتلقوه بطلب الصلح فتم ذلك بينهم وعاد إلى الشام وترك لهم الإسكندرية‏.‏ وكاتب شجاع بن شاور نور الدين بالطاعة عنه وعن طائفة من الأمراء‏.‏ ثم استطال الإفرنج على أهل مصر وفرضوا عليهم الجزية وأنزلوا بالقاهرة الشحنة وتسلموا أبوابها واستدعوا ملكهم بالشام إلى الاستيلاء عليها فبادر نور الدين وأعاد أسد الدين في العساكر إليها في ربيع سنة أربع وستين فملكها وقتل شاور وطرد الإفرنج عنها‏.‏ وقدمه العاضد لوزارته والاستبداد عليه كما كان من قبله‏.‏ ثم هلك أسد الدين وقام صلاح الدين ابن أخيه مكانه وهو مع ذلك في طاعة نور الدين محمود‏.‏ وهلك العاضد فكتب نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بإقامة الدعوة العباسية بمصر والخطبة للمستضيئ‏.‏ ويقال إنه كتب له بذلك في حياة العاضد وبين يدي وفاته‏.‏ وهلك لخمسين يوماً أو نحوها فخطب للمستضيئ العباسي وانقرضت الدولة العلوية بمصر وذلك سنة سبع وستين كما نأتي على شرحه وتفصيله في دولة بني أيوب إن شاء الله تعالى ووقعت خلال ذلك فتنة بين نور الدين محمود وبين صاحب الروم قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان سنة ستين وخمسمائة وكتب الصالح بن رزيك إلى قليج أرسلان ينهاه عن الفتنة والله تعالى ولي التوفيق‏.‏